صعوبة عمل الجهاز العصبي بكفاءته الكاملة مصير حتمي لكل شخص في مرحلة الشيخوخة مهما اجتهد في ممارسة التمرينات الشاقة للإبقاء على حيويته... هذا ما أثبتته الأبحاث العلمية خاصة الأمريكية. حقيقة علمية دفعت الشعوب العربية للتساؤل مؤخرا عما إذا كانت تنطبق على حكامها الطاعنين في السن والذين يحكمون بلادهم منذ عقود عديدة، وسارعوا لإدانة عمليات المقاومة اللبنانية ضد العدوان الإسرائيلي، على اعتبار أن أجهزتهم العصبية أصبحت غير قادرة على التعامل مع الأزمات التي تواجه الأمة. ويرى خبراء نفسيون في تصريحات لـ"باك فاير" أن موقف الحكام العرب من روح المقاومة جاء متناسبا مع المراحل العمرية التي يمرون بها والتي تركن إلى القرارات الانفعالية، في حين تقدم وسائل الإعلام الرسمية تلك القرارات على أنها "عقلانية وحكيمة" تعكس تجارب السنين. ووفقا لأبحاث علمية حديثة فإن قدرات الذاكرة تضعف مع التقدم في السن، وبالتالي لا يستطيع مَن هو في سن الشيخوخة (فوق 60 عاما) وخاصة من هو في موقع قيادي البقاء في منصبه متحكما في مصير الآخرين لعدم قدرته على استعمال أجزاء من الدماغ لها علاقة بالذاكرة. وأثبتت تجارب نشرتها المجلات العلمية الأمريكية المتخصصة أن التقدم في العمر ترافقه صعوبات في التعلم، ويعود ذلك جزئيا إلى التراجع في استعمال القشرة الدماغية الأمامية، وهي الجزء المسئول عن الحالة الفكرية للشخص مثلهم مثل الأطفال. ويواجه أغلب الزعماء والقادة العرب ممن دخلوا مرحلة الشيخوخة مشاكل صحية ضخمة بعضهم يتحدث عنها بصراحة والبعض الآخر يخفيها وتكشفها الصدف. وعن لجوء بعض الحكام العرب المسنين إلى تدريبات للحفاظ على قدراتهم العصبية متماسكة واتباع برامج لصيانة جهازهم العصبي عن طريق السيطرة على كل ظروف الحياة من طعام وقراءات ومواعيد النوم والاستيقاظ، قال عكاشة: "ذلك قد يطيل عمر كفاءة الجهاز العصبي لفترة لكنه لا يمنع أعراض الشيخوخة الحتمية". احتراق الجهاز العصبي وأكد أستاذ الطب النفسي أن "الاستمرار في السلطة لسنوات طويلة يؤدي إلى حالة الاحتراق، وهي حالة يصل إليها الجهاز العصبي بحيث يتوقف تماما عن الاستجابة للمؤثرات المحيطة، بالإضافة لحالة من الملل والفتور تجاه الأشياء، وهنا يلجأ المسئول في هذه الحالة إلى توكيل مساعدين للقيام بكثير من المهام لعجزه عن القيام بها". وتابع: "تدريجيا يتضخم دور ونفوذ مساعديه ويتحولون لمراكز قوى؛ لأنهم يستطيعون القيام بما لا يستطيعه هو القيام به". أما الدكتور خليل فاضل خبير الطب النفسي المصري فتحدث عن حساسية الجهاز العصبي وإمكانية تعرضه للانهيار الكامل خاصة لمن هم في موقع المسئولية. وقال: "أحيانا ينهار الجهاز العصبي لمن هو في قمة السلطة بشكل مفاجئ؛ فهناك من تقتله هذه المسئولية فيموت مبكرا كحال الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر الذي توفي بالسكتة القلبية عن سن 52 عاما، إلا أن هناك مَن قد يتحمل المفاجآت لسنوات طويلة لأنه تدرب على عدم الانفعال حتى في أحلك الظروف". وضرب الدكتور خليل مثال على قدرة تحمل الأجهزة العصبية لبعض الرؤساء للصدمات والمفاجآت بالرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة الذي تم عزله عام 1997 بعد أن أمضى 30 عاما بالحكم، وكان بورقيبة وقت عزله يبلغ من العمر 91 عاما. وقاد عملية عزل بورقيبة الرئيس الحالي زين العابدين بن علي الذي أدخل تعديلات تتيح له البقاء في الحكم مدى الحياة. واستدعى خليل مقولة للمفكر المصري أحمد كمال أبو المجد تقول: "السلطة المطلقة مفسدة مطلقة". السلطة أهم جورج إسحق منسق الحركة المصرية من أجل التغيير "كفاية" كان له تفسير لموقف الأنظمة العربية من عدم دعم المقاومة اللبنانية يربط هذا الموقف ببقاء الحاكم في السلطة لفترة طويلة. وقال : "استمرار الحاكم في السلطة إلى الأبد يجعله بمرور السنين يختزل كل أهدافه في التشبث بالسلطة وفي قمع من يطالب بالتغيير فلا يلتفت إلى أية مطالب أخرى". وأضاف قائلا: "هذا ما حدث في مصر؛ فالنظام الحاكم أسس وجوده على منطق الشللية، واختزل جميع مؤسسات الدولة لتعمل من أجل بقائه في السلطة إلى الأبد، وأصبح ذلك هو مشروعه الوحيد بمرور السنين، فكيف يفكر بدعم المقاومة؟". وخلص إلى أن النتيجة الطبيعية لهذا الوضع كانت "ارتباط النظام بالقوى الغربية العالمية، حتى إنه لو تعارضت مصالح ومطالب وطنه مع بقائه في السلطة فإنه سيضحي بهذه المصالح لصالح البقاء في السلطة". النظرة "العقلانية" على الجانب الآخر هناك من يعتبر عدم تجاوب الحكام العرب مع المشاعر المتأججة للشارع العربي نابعة من خبرة وحكمة و"نظرة عقلانية" اكتسبها الحاكم دون سواه من خلال سنين حكمه الطويلة. ومن بين أصحاب هذا الرأي صلاح منتصر الكاتب الصحفي بصحيفة "الأهرام" المصرية الحكومية الذي قال: "عادة السياسة الانفعالية لا تضع في حسبانها النتائج، في حين أن السياسة الواقعية تبدأ أولا بحساب النتائج وردود الأفعال قبل اتخاذ أي قرار.. وأتصور أنه بعد أن تهدأ العواصف والأمواج سيتذكر الشارع للقيادات حكمتهم وقراراتهم بأنهم قاموا بحماية بلادهم في عدم الانجرار وراء العواطف". وأضاف: "يجب على الحكام العرب أن يوازنوا بين احتمالات الخطر، واحتياجات القضايا الإستراتيجية عند اتخاذ أي قرار". وخرجت في العديد من الدول العربية مظاهرات واسعة تندد بالموقف المتخاذلة للعديد من الحكام العرب من مناصرة المقاومة اللبنانية والسلبية تجاه وقف العدوان الإسرائيلي على لبنان المستمر منذ يوم 12-7-2006؛ ردا على اختطاف حزب الله جنديين بهدف مبادلتهما بمئات الأسرى اللبنانيين والعرب في السجون الإسرائيلية. وأدى العدوان الإسرائيلي إلى مقتل نحو 600 شخص أغلبهم من المدنيين، إضافة إلى نحو 1800 مصاب و750 ألف مشرد.
الثلاثاء, 15 اغسطس, 2006
وتخطت أعمار معظم الحكام العرب الستين؛ فالرئيس المصري حسني مبارك من مواليد عام 1928، والعاهل السعودي الملك عبد الله مواليد 1921، أما أمير الكويت الشيخ صباح الجابر الصباح مواليد 1929، والعقيد الليبي معمر القذافي من مواليد 1942، والرئيس اليمني علي عبد الله صالح من مواليد نفس العام 1942، أما الرئيس التونسي زين العابدين بن علي مواليد 1936، ، وسلطان عمان قابوس بن سعيد فمن مواليد عام 1940.
أعراض الشيخوخة
وعن المواقف المتراخية أو "العقلانية" لبعض الحكام العرب من الأزمات التي تواجه الأمة العربية وآخرها العدوان الإسرائيلي على لبنان وعمليات المقاومة وعلاقة ذلك بالتقدم في السن، قال الدكتور أحمد عكاشة أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة: "بالرغم من التدريبات الحديثة المتعلقة بتنشيط الذاكرة والقدرة على الاحتفاظ بمعلومات جديدة فإن هناك أعراضا حتمية متعلقة بالتقدم في السن وبالشيخوخة. هناك أعراض متعلقة بالشيخوخة بشكل عام بغض النظر عن تحمل المسئولية من عدمها، منها ضعف الذاكرة وضعف القدرة على التفاعل السريع مع المتغيرات المتلاحقة مع التمسك بالأنماط القديمة والخوف الشديد من أي جديد وعدم الرغبة في العمل والاكتئاب".
وأضاف: "لذلك نجد أن مدة الرئاسة في الدول الديمقراطية حددت بدورتين فقط على أساس اعتبارات صحية وجسمانية ونفسية يحتاجها هذا المنصب، أهمها اليقظة العالية والقدرات الذهنية الكبيرة".
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية



